الحث على طلب العلم

(فقه الأفضلية)

د. صفي الله

 الخطبة الأولى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله الذي رفع من أراد به خيرا بالعلم والإيمان ، وخذل المعرضين عن الهدى وعرضهم لكل هلاك وهوان . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الكريم المنان ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي كمل الله له الفضائل والحسن والإحسان ، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم مدى الزمان .قال الله تعالى العلي القدير القائل في محكم كتابه ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (الزّمر:9).

أما بعد، فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى واعتصموا بالإسلام فهو العروة الوثقى وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون. أيها المسلمون فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين). فالتفقه معرفة النفس ما لها وما عليها ، فبه يعرف العبد كيف يعبد ربه، به يعرف كيف يتوضؤ وكيف يغتسل ويصلي ويصوم ويزكي ويحج ويعتمر، به يميز الواجبات وبين السنن، به يعرف ما هو أن يفضل وما يتثنيّ و يتأخر في العمل، فسار كل المسار على ما يرام و يلزم، فالعلم إذا نور القلب ونور الذهن ونور كلّ الحي و ما أحاط به.

أيها الإخوة، فمما يؤسفنا من الأمر أن شاهدنا في الأونة الحاضرة أنه يطلب العلم ضحم جيل من أجيال المسلمين اليوم من بيتهم و قريتهم الأقصى لمدينة الجامعة الإسلامية التي يتنعلمون فيها. ولكنهم صاروا هيئات لا يرجى عنها. لانه ما هو لابد أن يأوّل هم يتأخرونه. وما هو يلزم به كانوا يضيؤون به. إنهم من طلبة الجامعة اليوم. إتصفت بهم العادات و التقاليد و النوعيات الحيوية من كثرة الرحلة التسليحية و المعاشرة اللا علمية والتعلمية و حتى الإضافية الجامعة المنعكسة بالدراسة، فضاقت الساعة والوقت لديهم لتبحرهم ووفاء أمنة والديهم لطلبهم العلم. لهم علل يعرضون بها حينما يقيمون بتلك الموصوفات. قالوا ببرهان لا حجة فيه، ولكن يدافعونه. هذه هي الواقعة و القضية فحبّذ ما هو يعرف ويفهم عند مظنتهم و فكرتهم ما يقال له بفقه الأفضلية. أعني به الفهم و العلم عن ما هو ينبغي أن يفضل في طلبهم العلم وحالهم كالطالب. إذا الصوم الذي يصيل إلي النعاس والنوم أثناء الدراسة مثالا واضحا أن يتركه الطالب من أن يجد و يدقق في الفصل. و ما زالت الكثيرة الأمتلة المتعلقة بهذه القضية. فما الموقيف بها؟.     

أيها الحاضرون، إن لنيل العلم طريقين أحدهما أن يتلقى طالب العلم ذلك من الكتب الموثوق بها والتي ألفها علماء مرضيون بعلمهم وأمانتهم والثاني أن يتلقى ذلك من معلم موثوق به علماً وديانة وهذا الطريق أعني الطريق الثاني أسلم من الخطأ وأسرع في التحصيل وأثبت في العلم لأن الطريق الأول طريق التلقي من الكتب قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري إما لسوء فهمه أو قصور علمه أو لغير ذلك ولأن الطريق الثانية تكون فيه المناقشة والأخذ والرد بين الطالب والعالم فينفتح للطالب بذلك إي بالمناقشة أبواب كبيرة في الفهم والتحقيق وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة ورد الأقوال الضعيفة وإذا جمع الطالب بين الطريقين التلقي من الكتب ومن المعلمين كان ذلك أكمل وأتم وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها حتى يكون مترقياًً من درجة إلى ما فوقها فلا يصعد إلى درجة إلا وقد تمكن مما تحتها ليكون صعوده سليما.

أيها المسلمون، ولا سيما الشباب منكم من ذكور وإناث. فاطلبوا العلم بجد ونشاط فإنه مع الإيمان رفعة في الدنيا والأخرة كما قال الله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة : 11).

وأنه ذخر لكم في الحياة الدنيا وبعد الممات قال النبي صلوات الله وسلامه عليه : ( إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) اطلبوا العلم يكن لكم لسان صدق في الآخرين فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله فالعلماء الربانيون لم تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورا وسعيهم مشكورا وذكرهم مرفوعا إن ذكروا في المجالس امتلأت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم وإن ذكرت الأعمال الصالحة والآداب العالية والأخلاق الفاضلة كانوا قدوة الناس فيها.

أيها الأخوة المسلمون، اطلبوا العلم اطلبوه طلباً راسخا حتى يستقر في نفوسكم وأعلموا أن الإنسان إذا حبس نفسه لطلب العلم فقد يكون ذلك شاقاً عليه في أول الأمر ولكنه يألفه ويحبه حتى يكاد يكون كالغريزة في نفسه فيألفه ولا ينفك عنه.

هذا، فنسأل الله سبحاته في مقامنا أن يرزقنا علماً نافعا وعملاً صالحا ورزقاً طيبا واسعا. وهذا اللهم علمنا ما ينفعنا وأنفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا إله العالمين و أجعل علمنا هادياً لك إلى صراطك المستقيم وأجعله نورا في قلوبنا وفي قبورنا وفي محشرنا يا جواد يا كريم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، إنه سميع قريب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم والحمد لله ربّ العالمين.